الطبراني

181

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

والمأخوذ عليهم ميثاقان ؛ الأوّل : حين أخرجهم من صلب آدم كالذّرّ . والثاني : الذي أخذ عليهم في التوراة وسائر الكتب . والمراد في هذه الآية الثاني ؛ وذلك أنّ اللّه تعالى أنزل التوراة فأمر موسى قومه بالعمل بأحكامها فأبوا أن يقبلوا ويعملوا بها للآصار والأثقال التي كانت فيها ، وكانت شريعته ثقيلة فأمر اللّه جبريل فقطع جبلا على قدر عسكرهم ؛ وكان فرسخا في فرسخ ، فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرّجل . عن ابن عبّاس : ( أمر اللّه جبلا من جبال فلسطين فانقطع من أصله حتّى قام على رؤوسهم مثل الظّلّة ) . وقال عطاء : ( رفع اللّه فوق رؤوسهم الطّور ، وبعث نارا من قبل وجوههم ؛ وأتاهم البحر الملح من خلفهم ) . وقيل لهم : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ؛ أي اقبلوا ما آتيناكم بجدّ ومواظبة في طاعة اللّه تعالى . وفيه إضمار ؛ أي وقلنا لهم خذوا . وقوله تعالى : وَاذْكُرُوا ما فِيهِ ؛ أي احفظوه واعملوا بما فيه . وقيل : معناه : واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب . وفي حرف أبي بكر : ( وادّكروا ) بدال مشدّدة وكسر الكاف . وفي حرف عبد اللّه : ( وتذكّروا ما فيه ) ومعناهما اتّعظوا به . قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 ) ؛ أي لكي تنجوا من العذاب في العقبى والهلاك في الدّنيا إن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به ؛ وإلا وضحتكم بهذا الجبل وأغرقتكم في البحر وأحرقتكم بهذه النار . فلما رأوا أن لا مهرب منه قبلوا ذلك وسجدوا خوفا ، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود مخافة أن يقع عليهم ؛ فصارت صفة في اليهود لا يسجدون إلّا على أنصاف وجوههم ؛ فلمّا رأوا الجبل قالوا : يا موسى سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعنا . قوله عزّ وجلّ : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ؛ أي أعرضتم وعصيتم من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل ، فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ، بتأخير العذاب عنكم ، لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) ؛ أي لصرتم من المغبونين في العقوبة وذهاب الدّنيا والآخرة .